الذهبي
618
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وكان ظاهريّ المذهب ، ويُسِرّ ذلك بعض الشيء . قال ابن طَرْخَان : سمعتُه يقول : كنتُ أُحْمَلُ للسّماع على الكتِف سنة خمسٍ وعشرين وأربع مائة ، وأوّل ما سمعتُ من الفقيه أبي القاسم أَصْبَغ بن راشد . وكنتُ أفهم ما يُقرأ عليه . وكان ممّن تفقّه على أبي محمد بن أبي زيد . وأَصْلُ أبي من قُرْطُبة ، من محلةٍ يُقال لها الرّصافة ، وسكن جزيرة ميورقة ، وبها ولدت . قال يحيى ابن البنّاء : كان الحُمَيْديّ مِن حِرصه واجتهاده ينسخ باللّيل في الحَرّ ، فكان يجلس في إجّانة ماءٍ يتبرّد به . وقال الحسين بن محمد بن خسْرُو : جاء أبو بكر بن ميمون ، فدّق على الحُمَيْديّ ، وظنّ أنّه قد أُذِن له فدخل ، فوجده مكشوف الفخذ ، فبكى الحُمَيْديّ وقال : والله لقد نظرت إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْت . وقال ابن ماكولا : لم أرَ مثل صديقنا الحُمَيْديّ في نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم . صنَّف تاريخًا للأندلس . وقال السِّلَفيّ : سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبدري ، عن الحُمَيْديّ فقال : لا يُرى قطٌّ مثله ، وعن مثله يسأل ؟ جمع بين الفقيه والحديث والأدب ، ورأى علماء الأندلس . وكان حافظًا . قلت : لقي حفّاظ العصر ابن عبد البَرّ ، وابن حَزْم ، والخطيب ، والحبّال . وقال يحيى بن إبراهيم السّلماسي : قال أبي : لم تَرَ عينايَ مثل الحُمَيْديّ في فضله ونُبْله وغزارة عِلْمه وحرْصه على نشر العلم . قال : وكان ورِعًا تقيًّا إمامًا في الحديث وعِلَله ورُواته ، متحقّقًا في علم التّحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث ، بموافقة الكتاب والسُّنّة ، فصيح العبارة ، متبحِّرًا في علم الأدب والعربيّة والتّرسّل . وله كتاب " الجمع بين الصحيحين " ، و " تاريخ الأندلس " ، و " جمل تاريخ الإسلام " ، وكتاب " الذَّهَب المسبوك في وعظ الملوك " ، وكتاب في التَّرسُّل ، وكتاب " مخاطبات الأصدقاء " ، وكتاب ما جاء من الآثار في حفظ الجار " ، وكتاب " ذمّ النّميمة " . وله شعرٌ رصينٌ في المواعظ والأمثال . قلت : وقد جاء عن الحُمَيْديّ أنّه قال : صيّرني " الشّهاب " شهابًا . وكان